 في عالم اليوم , عالم المتناقضات والصراعات , عالم العلاقات الدولية التي تحكمها القوة غالبا , ويحكمها القانون الدولي أحيانا , وتحكمها الأخلاق والقيم نادرا , في هذا العالم مازالت الدول منقسمة علي نفسها برغم أنها
محصورة في كوكب ضيق , يزداد ضيقا يوما بعد يوم , في ظل التطور الرهيب في وسائل الصراع المسلح وحش التكنولوجيا الجامح , ولايزال الزعماء والقادة متمسكين بتلك الأفكار البالية لتحقيق الأهداف والمصالح بالقوة , أو من خلال السيطرة علي إقليم معين من العالم , أو علي العالم بأسره . إذ يشير الواقع إلي وجود مسألتين تسببان انقساما عميقا في تفاعلات العلاقات الدولية , الأولي : هي السعي الدءوب للولايات المتحدة إلي استقرار مركز الهيمنة , لديها إن رهبا أو رغبا بعدما إنفردت تماما بالنفوذ في الساحة العالمية , أما الثانية : فهي إستمرار تطلع إيران إلي السيطرة علي منطقة الشرق الأوسط إن طوعا أو كرها تحت الراية الشيعية بصياغة فارسية . ويشير الواقع أيضا إلي وجود علاقة مباشرة بين هاتين المسألتين , ذلك أن أحد الاشتراطات الرئيسية لاستمرار استقرار موقع الهيمنة في قلب الولايات المتحدة , هو عدم قيام قوة إقليمية تكون قادرة علي التحكم في , أو السيطرة علي إقليم حيوي مثل هذا الذي تتطلع إليه إيران بما يمكنها من تهديد المصالح الحيوية للولايات المتحدة , هذا من ناحية , ومن ناحية أخري فإن هاتين المسألتين تحكمان تفاعلات , وحركية العلاقات الدولية سواء هذه التي بين الولايات المتحدة وإيران , أو تلك التي بين كل منهما مع القوي العظمي والكبري في النسق الدولي , أو الوحدات السياسية للنسق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط بوجه عام , أو مع الوحدات السياسية في المنطقة العربية علي وجه خاص . تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق أهمية , وأخطرها حساسية في العالم لاعتبارات استراتيجية عديدة . ويزيد من أهمية وحساسية تلك المنطقة , أنها تحتوي علي مصالح متشابكة أو متعارضة لأغلب القوي العظمي والكبري , والكيانات العملاقة . وبالرغم من إمتدادها وتواصلها فإنها افتقرت إلي الحد الأدني للتكامل بين وحداتها السياسية في جميع المجالات , بل أصبحت تفاعلات االعلاقات الدولية بين وحداتها السياسية أقرب أن تكون علاقات ذات طبيعة تنافسية وتصارعية , عن أن تكون علاقات ذات طبيعة تعاونية , فأصبحت المنطقة مطمعا للقوي العظمي والكبري علي مر العصور , وتعاظمت فيها المصالح إلي الحد الذي أصبح تدخلها في المنطقة أمرا مقضيا , ومظهرا طبيعيا للمشاركة في تفاعلاتها لحماية هذه المصالح . وتنبع أهمية المنطقة العربية من أهمية منطقة الشرق الأوسط باعتبارها جزءا من كل , وبالرغم من توافر جميع الاشتراطات التي تجعل من المنطقة كلا مترابطا بحكم التواصل الجغرافي الممتد , وتماثل العناصر اللغوية , والثقافية , والتاريخية , والاجتماعية , بل الدينية وبالرغم من تجزئتها عبر حدود مصطنعة , وبالرغم من أن شعوبها عاشت تاريخا واحدا , وتجابه مستقبلا واحدا , وبالرغم من تعدد الغزاة والمستعمرين , فقد احتفظت شعوبها بلغة واحدة , وثقافة واحدة , بالرغم من كل ذلك , فلم تتمكن المنطقة العربية من إحداث نظام موحد يمكن أن نطلق عليه النظام العربي , بل أصبحت أقرب لأن تكون عالما عربيا , بما يعني أنه مجموعة متنافرة من الدول والشعوب , التي إن وجدت لها مكانا في عالم اليوم ـ عالم التوابع ـ فإنها لن تجد مكانا في عالم الغد عالم الكيانات الكبيرةويشير الواقع إلي أن المنظور السياسي الإستراتيجي الأمريكي للسيطرة علي العالم لم يتحقق تلقائيا , ولم يتحقق أيضا بقدرات الآخرين , وإنما تحقق فقط بتنمية قدراتها الذاتية وفقا لتخطيط دقيق لعالم كبير في العلوم البحرية والشئون الإستراتيجية , وهو الأدميرال الفريد ماهان صاحب النظرية الإستراتيجية للقوي البحرية , والتي تقابل النظريات الإستراتيجية الأخري لما كندر وسبيكما عن القوي البرية , وكذا نظرية دي سفريسكي عن القوي الجوية , وهي النظريات الإستراتيجية التي تبحث في السيطرة علي العالم . حدد الرئيس الأمريكي الأسبق جون كيندي الهدف النهائي للولايات المتحدة وهو السيطرة علي العالم وفرض نظام عالمي جديد , ثم حدد بعد ذلك أدوات تحقيق أو إستراتيجية تحقيق هذا الهدف , من خلال بناء إستراتيجية بحرية متفوقة , وهكذا تمكنت الولايات المتحدة من إقامة نظام عالمي انفردت فيه بالنفوذ وأصبحت قائدة لتفاعلاته , وهيمنت علي منظماته ومؤسساته , بعد بناء قوة بحرية متفوقة تعد هي الأقوي , وبعد أن تمكنت هذه القوة من السيطرة علي البحار والمحيطات , وتمكنت من هزيمة المعسكر الآخر هزيمة ساحقة , فأسقطت أحزابه الشيوعية , وحولت أنظمته إلي أنظمة ديمقراطية , وعملت علي تفكيك بعض دوله , وهدمت سور برلين العظيم , وأسقطت الإتحاد السوفييتي وتحول هذا الاتحاد الي أنقاض دول وبقايا شعوب في حرب باردة نستطيع ان نطلق عليها دون مبالغة ـ الحرب العالمية الثالثة ـ ودون أن توجه طلقة واحدة في إتجاه عدوها اللدود الذي استطاع يوما أن يحقق التوازن الإستراتيجي معها في نظام عالمي ثنائي القطبية بشقيه المحكم والمرن . ونأتي إلي المنظور السياسي الإستراتيجي لإيران الذي ظل ثابتا لايتغير منذ الإمبراطورية الفارسية , ثم بعد الفتح الإسلامي حين تمكن العنصر الفارسي من السيطرة علي مركز صناعة القرار في الدولة العباسية ( البرامكة ) ثم تأكد هذا المنظور في فترة إيران الشاه , وترسخ في إيران الثورة , فقد تأثرت العلاقات الإيرانية ـ العربية بقضية هوية الخليج , حتي أصبحت هذه العلاقات ذات طبيعة تصارعية , إذ تصر إيران علي تسمية الذراع المائية الممتد في المحيط الهندي بالخليج الفارسي , ولاشك في أن هذه التسمية تحمل في طياتها صراعا سياسيا ذا أبعاد إستراتيجية تتعلق بمفهوم السيطرة والهيمنة , وهو ماتؤكده عملية الاستيلاء علي الجزر التي تتحكم فيه , ثم عملية تحديد المياه الإقليمية لها في هذا الخليج الضيق بمسافة 12 ميلا بحريا حتي تؤكد هوية الخليج الفارسية . ويتركز المنظور السياسي الإستراتيجي لإيران لإحداث الهيمنة علي مرتكزين رئيسيين : الأول : هو السعي الدءوب لإحياء مشروع إقامة الدولة الإسلامية تحت الراية الشيعية بصياغة فارسية , وذلك بإحتضان جميع التيارات الإسلامية المتطرفة لإحداث القلاقل وزعزعة الاستقرار في الوحدات السياسية بالمنطقة , والتأثير علي أنظمة الحكم لإسقاطها من الداخل , وإحلال انظمة سياسية موالية لها ذات صبغة دينية الشكل . أما المرتكز الثاني فهو بناء قوة عسكرية ضخمة من خلال برامج تسليحية هائلة , تفوق متطلباتها في الأمن والدفاع , مع الإصرار علي امتلاك الرادع النووي عن طريق التصنيع المحلي , وفي هذا الصدد فقد صرح رافسنجاني بأن أزمة الخليج الثانية قد أكدت بما لايدع مجالا للشك ان الخليج يحتاج إلي الأمن , وأن هناك قوة وحيدة قادرة علي ان تحقق ذلك , وهذه القوة هي إيران . إن هذا الدور الذي بدأت ايران في أن تلعبه وتجيده , إنما هو إحدي النتائج الطبيعية المهمة لأزمة الخليج الثانية ( الاجتياح العراقي للكويت ـ ثم تحريرها , واحتلال العراق ) فقد فتحت هذه الأزمة الأبواب لإيران لتجد آفاقا أوسع وأرحب لحركتها السياسية , فتقاربت مع الأردن واليمن والسودان , وخلقت لنفسها موطيء قدم في الجزائر وتونس , مستغلة في ذلك حالة العزلة التي كانت عليها هذه الدول أثناء الأزمة , هذا التحرك السياسي لم يكن إلا لتحقيق حلمها لإقامة الدولة الإسلامية , وذلك بإحتضان جميع الحركات الإسلامية في هذه الدول , بالإضافة الي دعم الحركة الإسلامية في مصر , هكذا اتسقت أهداف إيران مع أهداف الحركة الإسلامية العالمية التي تعمل علي تطويق مصر من الشرق في لبنان وفلسطين , ومن الغرب في الجزائر وتونس , ومن الجنوب في السودان , بإستغلال عوامل التوتر والصراع التي تموج في هذه الدول , حتي تكون مصر بمنأي عن منطقة الخليج . هكذا أتت إيران بفلسفة دينية تبشر بها كأداة لتحقيق الهدف الإستراتيجي الأول لإقامة الدولة الإسلامية , إلا أن هذه الفلسفة ماهي إلا ستار جديد لإحياء الإمبراطورية الفارسية تحت الراية الشيعية , وإحياء الإمبراطورية الفارسية من جديد . ولتحقيق هدفها الإستراتيجي الثاني , تسعي إيران إلي إمتلاك الرادع النووي عن طريق التصنيع المحلي , ويمثل هذا السعي المرتكز الرئيسي لبناء سياسات وإستراتيجيات إيران في الوقت الراهن حتي أصبح المحور الرئيسي الذي تتمحور حوله أفعال وردود أفعال إيران مع القوي الأخري , سواء التي من داخل المنطقة , أو تلك التي من خارجها , حتي أصبحت هذه المسألة أزمة في حد ذاتها . وترتيبا علي ماتقدم فإنه يمكننا إدراك أن إيران لم تستوعب درس القرن العشرين , وهو تفكك وانهيار الإتحاد السوفييتي ,( القوة العظمي والقطب الموازن في النظام ثنائي القطبية بشقيه المحكم والمرن , ذلك الدرس الذي يمكن إيجازه في ان قوة الدولة لاتقاس فقط بالقوة العسكرية , بل إن القوة العسكرية ذاتها يستحيل الاحتفاظ بها في وضع القوة عند تدني عناصر القوة الأخري , وأن التأخر عن ركب الثورة الصناعية الحقيقية , والتقدم التكنولوجي قد جعل الاتحاد السوفييتي عاجزا عن تحقيق التوازن الإستراتيجي الحقيقي مع الولايات المتحدة والغرب , وعاجزا أيضا عن تحقيق مستويات الرفاهية لشعبه مقارنة بالآخرين , فانفرط عقده , وسقطت الفلسفة الإيديولوجية التي جاء بها هذا الإتحاد ليبشر بها كعقيدة لتحقق للبشرية المساواة والرفاهية علي أن المسألة الأكثر خطرا , والأعمق أثرا , هي المسألة النووية التي تشكل أزمة حقيقية في تفاعلات العلاقات الدولية مع الآخرين . علي أي حال , ونتيجة لهذا الصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة , ستكون المنطقة بأسرها إما منطقة اصصدام , أو منطقة التحام , منطقة اصطدام عندما تقرر الولايات المتحدة القيام بتنفيذ الضربة العسكرية ضدها , أو عندما يسمح لإسرائيل بتنفيذ ضربة جوية فقط لإجهاض جهود إيران لامتلاك الرادع النووي علي غرار ما قامت به ضد مفاعل العراق , أو منطقة إلتحام ( علي الأقل منطقة الخليج ) بعد تنفيذ هذه الضربة , أو تلك , عندما تتواجد القوات الأمريكية في المنطقة لحماية مصالحها الحيوية , تماما مثلما حدث مع العراق من قبل . هذه هي الأخطار التي تواجه المنطقة العربية , فهل يدرك العرب ذلك , أم ستظل المنطقة العربية مرهونة بهذين الخطرين , خطر الاصطدام وخطر الالتحام , فإن أدرك العرب أنهم أصحاب الحق الحقيقيون في هذه المنطقة , وإن أدركوا أيضا أن عليهم وحدهم حماية هذا الحق , فعليهم أولا نبذ الخلافات وإحلال الفعل محل رد الفعل , وعليهم ثانيا أن يتمكنوا من استخدام ثرواتهم ومواردهم بدلا من إهدائها للآخرين , أي عليهم أن يعملوا علي إحلال القوة بدلا من الضعف , وأن يعملوا علي تحقيق الوحدة العربية الأمل المنشود بدلا من التفرق والتشتت , تحقيقا لقول الحق تعالي إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون أو علي الأقل بناء إستراتيجية عربية موحدة تستطيع أن تجابه ما يحيق بها من أخطار , ولعل ذلك يتطلب تغييرا جذريا واستعدادا فكريا مختلفا , ومنظورا جديدا لتناول الأمور , وبغير ذلك ستظل المنطقة العربية عرضة للأخطار , وربما ستظل كذلك دوما , ما لم يحدث مثل هذا التغيير .المصدر : الاهرام أضف لموقعك | المشاهدة: 134
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
| |