 تحقيق-محمــد هــزاع: الاحتفال بأعيادنا القومية, تعبير عن اهتمامنا بجزء مهم من تاريخنا الوطني, وتجاهلها أو تناسيها إهدار لمعني وقيمة الانتماء الوطني.وأعياد الشعوب ممارسات اجتماعية جماعية تفصح عن دلالات التماسك الاجتماعي والوحدة ومصر من الجماعات البشرية الكبري, تحتل موقعا عزيزا في التاريخ العتيق والوسيط. وكما يقول عنها الناقد الكبير د. عبد المنعم تليمة, هي المجتمع الطليعة الذي تنهض حقائقه علي التعددية التي هي عماد وحدة الشعب وعلي الاستمرارية والتواصل في التاريخ.والأعياد المصرية تجل بارز للجماعة المصرية.. من آلاف السنين يحتفل المصريون في أكبر أعيادهم وأسماها وأخلدها النيل. يزغردون لفيضانه
المعطاء ويشكرون وفاءه ويحمدون جريانه الدائم الذي يوفر عيشهم ويسعد حياتهم. أعياد وفاء النيل, وشم النسيم, وأعياد تغني للطبيعة الشمس والقمر في الكسوف والخسوف, وأعياء الحصاد والجني وأعياد العلاقات الاجتماعية( العرس والولادة والطهور والسبوع ومراسم الدفن والأخمسة والأربعين والذكري السنوية). في النهضة المصرية الحديثة تواترت الأعياد الشعبية وانضمت إليها أعياد وطنية هي ثمرة للنضال ضد العدوان الخارجي: عيد الجهاد, وعيد الجلاء, وعيد النصر. وسطع كل ذلك في الثقافة والفن في أناشيد رفاعة الطهطهاوي في ديوانه وشوقي في خوالده, ومنحوتات محمود مختار ومصورات محمود سعيد وراغب عياد والأخوين وانلي وتحية حليم وانجي أفلاطون وأعذب موروثات سيد درويش وعبد الوهاب وأم كلثوم: بلادي بلادي, أنا المصري, مصر أمنا, كل مصري ينادي أنا ملك لبلادي, مصر تتحدث عن نفسها, مصر التي في خاطري, مصر نادتنا فلبينا نداها. جري كل ذلك وتجلي علي السنة العامة وهتافات الجنود والطلبة والمثقفين والفلاحين والكبار والصغار والنساء والرجال.
وفي العقود الأخيرة احتكرت السلطات ادارة حياة مصر بصورة بيروقراطية حازمة فابتعد جموع المصريين عن الحياة العامة وتبدلت آمالهم وأفراحهم وتدهورت أحوالهم وتقوض السلم التعليمي والعلمي والإعلامي والأخلاقي. وسادت ثقافة متخلفة تهيمن عليها جهالة البيروقراطية ومحافظة قوي تتواري خلف الدين الحنيف وتستثمره لصور شكلية ساذجة, فتراجعت المفهومات المضيئة للوطنية والمواطنة, وبديهيا أن تختفي الأعياد, شعبية عتيقة ووطنية حديثة.
إن تجلي الجماعة إنما يكون في تعبيرها وأنصع تعبير لها في أعيادها حيث الوحدة والتماسك الاجتماعي. * ويرصد د. مصري عبد الحميد حنورة استاذ علم النفس ظاهرة جديدة علي وجدان المصريين وهي تناسي أو تجاهل أعيادنا القومية, والتي أصبحت تأتي وتمر مرورا غير كريم, وينبه د. مصري, أننا في طريقنا لأن نصبح شعبا بلا ذاكرة, ويري أن منطق المنظومة قادر علي تفسير هذه الظاهرة فالشعب المصري جزء من نظام إقليمي, إفريقي وعربي وإسلامي وشرق أوسطي.. الخ. دوائر يعيش كل منها تحت ظل ضغوط بعضها منظم بفعل قوي خارجية وبعضها نتيجة ممارسات داخلية, وكلتاهما تصب في تفتيت وحدة الشعوب المنتمية لكل دائرة من تلك الدوائر, وتصب أيضا في تفتيت وحدة الذات الفردية التي هي أساس بناء المجتمع. والتأثير والتأثر متبادل بين جميع الأطراف من الفعل ورد الفعل, ومؤدي ذلك كله أن الواقع الفردي والاجتماعي أصبح خارج نطاق التحكم الذاتي أو المجتمعي ولكن يبقي هذا الواقع قادرا علي حماية الذات الفردية ذات الانتماء والتعلق النفسي والمجتمعي والوطني والقومي, فلابد من وجود( آلية واعية) تحول دون هذا التمزق والإغتراب سواء داخل الفرد أو داخل الجماعة أو المجتمع أو التجمع الإقليمي. تلك الآلية لابد أن تكون آلية واعية تعيد الوجدان الفردي الي ايجابيته من خلال تحقيق التكامل النفسي والاجتماعي والذي يعتمد علي ثلاثية( الوعي ـ الإرادة ـ الحركة) في اتجاه المسقبل ـ ويشير د. مصري الي أن الوعي الغائب هو سبب هذا الاغتراب النفسي والمجتمعي والارادة المعطلة هي سبب هذا الجمود والقعود والإحباط في مواجهة الضغوط, والحركة الجامدة( أو المتوقفة) لن تجعلنا قادرين علي توظيف وعينا( الذاكرة والادراك والخيال) لتجاوز حالة الإحباط والقعود بل والتدهور والذي أحد مظاهره فقدان الانتماء, وتناسينا( أو تجاهلنا) لمناسباتنا القومية العزيزة, ويقترح د. مصري إنشاء جهاز قومي للنهضة يهتم بتكريس دور القدوة حتي يعود الانتماء الي المواطن الفرد ويتشكل مناخ المواطنة. * د. ماهر شفيق فريد استاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة, يصف الظاهرة بأنها بالفعل مقلقة لأنها تشير الي تراجع الحس بالانتماء لدي قطاعات عديدة بين الشباب, ومن الممكن أن نلتمس لها عدة تفسيرات منها أن الجيل الحالي تتقاذفه تيارات متصارعة إذ يسمع آراء متناقضة في الظاهرة الواحدة. ومع تعدد قنوات الرأي في الصحف القومية والحزبية والقنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأجنبية والمحلية يجد المتلقي صعوبة في التمييز بين الصدق والكذب, بين ما يخطب العقل وما يخاطب الأهواء. حتي لقد بلغ الأمر أن يشكك البعض في نصر أكتوبر1973 رغم أنه أهم الأحداث في تاريخ مصر. أن كل يوم يحمل جديدا من الأحداث التي تطغي علي ما سبق بحيث ينسي الناس ما جاء قبلها هذه كلها أمور لشغل شاشات الأخبار وموجات الأثير ومن ثم يغدو من المستبعد أن يتذكر أحد يوم جلاء الإنجليز عن مصر في1954 أو تأميم قناة السويس في1956 أو عيد النصر في23 ديسمبر1956. وثالث الأسباب ـ ولنكن حرصاء ـ هو أن الناس فقدوا ثقتهم في الكثير من الشعارات الرنانة التي لا يرون لها عائدا فعليا.
ويري د. ماهر أن العلاج في أن تحرص مناهج الدراسات في مختلف مراحل التعليم علي تقديم صورة صادقة للأحداث القومية في تاريخنا الحديث وعلي وسائل الإعلام ـ والتليفزيون في طليقها باعتباره الأكثر انتشارا ـ أن يقدم أعمالا ناجحة موثقة ومتجددة عن المناسبات القومية, وينبغي الاهتمام بإعداد مدرس التاريخ والتربية القومية وعدم اغفال أي حلقات من تاريخنا الوطني فكلها لحظات مضيئة في تاريخ مصر.المصدر : الأهرام
أضف لموقعك | المشاهدة: 507
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
| |